ابن الأثير

273

الكامل في التاريخ

فاقتتلوا داخل قصر صالح قتالا عظيما ، قتل فيه من أصحاب طاهر جماعة كثيرة ، ومن قوّاده جماعة ، ولم تكن وقعة قبلها ولا بعدها أشدّ على طاهر منها . ثمّ إنّ طاهرا كاتب القوّاد الهاشميّين وغيرهم ، بعد أن أخذ ضياعهم ، ودعاهم إلى الأمان والبيعة للمأمون ، فأجابه جماعة منهم : عبد اللَّه بن حميد ابن قحطبة وإخوته ، وولد الحسن بن قحطبة ، ويحيى بن عليّ بن ماهان ، ومحمّد بن أبي العبّاس الطائيّ ، وكاتبه غيرهم ، وصارت قلوبهم معه . وأقبل الأمين بعد وقعة قصر صالح على الأكل والشرب ، ووكل الأمر إلى محمّد بن عيسى بن نهيك ، وإلى الهرش ، فكان من معهما من الغوغاء والفسّاق يسلبون من قدروا عليه ، وكان منهم ما لم يبلغنا مثله . فلمّا طال ذلك بالنّاس خرج عن بغداذ من كانت به قوّة ، وكان أحدهم إذا خرج أمن على ماله ونفسه ، وكان مثلهم كما قال اللَّه : فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ « 1 » . وخرج عنها قوم بعلّة الحجّ ، ففي ذلك يقول شاعرهم : أظهروا الحجّ وما ينوونه * بل من الهرش يريدون الهرب كم أناس أصبحوا في غبطة * وكّل الهرش عليهم بالعطب وقال بعض فتيان « 2 » بغداذ : بكيت دما على بغداذ لمّا * فقدت غضارة العيش الأنيق تبدّلنا هموما من سرور * ومن سعة تبدّلنا بضيق أصابتنا من الحسّاد عين * فأفنت أهلها بالمنجنيق

--> ( 1 ) . 13 . sv ، 57 inaroC ( 2 ) . فساق . P . C